أحمد بن علي القلقشندي
357
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكنفه « الموطَّأ » ( 1 ) للطلبة يغنيهم عن معاهد « عبد الوهاب » ؛ وعزيمته لا يلحق غبارها في المعارك ، ولا يظنّ خدّام العلوم الشرعية والأدبية إلا أمّ مالك وابن مالك . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال يجمع لمن برع في العلوم من ألوان المناصب المختلفة ، ويرفع قدر القوم الذين قلوبهم على التقوى مؤتلفة - أن يستقرّ المشار إليه في وظيفة التّصدير بالجامع الأمويّ بدمشق المحروسة - عمره اللَّه تعالى بذكره - عوضا عن فلان بحكم نزوله عن برضاه ، حملا على ما بيده من النّزول الشّرعيّ ، بالمعلوم الَّذي يشهد به ديوان الوقف المبرور ، على أجمل عادة ، وصرفه إليه مهنّأ ميسّرا أسوة أمثاله . فليباشر هذه الوظيفة على عادة مباشراته الَّتي حفّت بالعلوم ، وافتخرت بحسن المنطوق الدّالّ على المعنى المفهوم ، ويمدّ موائد علمه المحتوية على أنواع الفضائل ، وليبيّن ما يخفى على الطلبة بأوضح الدلائل ، وليؤدّ الفوائد الواصلة إلى الأذهان على أحسن أسلوب ، وليقرّر الأصول الَّتي امتدّت فروعها بقواعد السّنة المحمّدية وفي ثمرها الجنيّ تقوية القلوب ، وليكرم منهم من يضح فضله لديه ويبين ، وليبسط هممهم بقوله صلَّى اللَّه عليه وسلم : « من يرد اللَّه به خيرا يفقّهه في الدّين » ، وليوضّح طريق إرشاده ليسهل سلوكها عليهم ، وليجعل وفود فوائده في كلّ وقت واصلة إليهم ، وليتّبع « إمام دار الهجرة » في مذهبه المذهب ، وليخلَّد من صفاته الجميلة ما يذهب الزّمان ولا يذهب ، وليسمح للفقهاء بمواصلة فضله الأعم ، فإنّه أن يهدى به واحد خير من حمر النّعم . والوصيا كثيرة ومنه يطلب بيانها ، وبه تقوى أسبابها ويعلو بنيانها ؛ ولكن الذّكرى تنفع المؤمنين ، ويظهر [ بها ] سرّ خبرهم ويستبين ؛ وتقوى اللَّه تعالى هي
--> ( 1 ) كتاب « الموطَّأ » للإمام مالك بن أنس المتوفى سنة 179 ه : إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة .